في الثامنة وستِّ دقائق تخرج من الباب، كما تخرج منه في الثامنة وستِّ دقائق من كلِّ يوم عمل، وتُسلِّم وجهك للمدينة.
صارت البائعة في دكّان الناصية تُحيّيك بلغةٍ أخرى، لأسبابٍ لم تسأل عنها، فتردُّ تحيّتها بالصيغة التي تنتظرها، الصيغة التي تعلّمتَ أنها تنتظرها، ويكتمل التبادل الصغير في أقلِّ من ثلاث ثوانٍ. ثم تواصل نحو الناصية.
يفعل الرصيف ما يفعله الرصيف. تمرُّ الواجهات في طرف بصرك. لو طُلِب منك لما سمّيتَ ثلاثاً منها، وأنت تمرُّ بها كلَّ يومٍ منذ أربعة عشر شهراً.
ما تنتبه إليه هذا الصباح، للمرّة الأولى ربّما، هو الضجيج.
ليس ضجيج السيّارات، ولا الورشة على بُعد شارعين، ولا قريبُ الورشة من الحافلات وشاحنات التوصيل الباكرة والرجال في السترات البرتقاليّة يتنادَون بلغةٍ قد تكون لغة البائعة وقد لا تكون. تلك أصوات؛ لطالما سمعتها.
الضجيج شيءٌ آخر.
إنه المجال من حولك؛ مناخُ الانتباه الذي تمشي داخله؛ الإشارة الصغيرة الثابتة التي تقول: أنت مُلاحَظٌ من دون أن يلاحظك أحد. أنّ شيئاً ما، في مكانٍ ما، قد سجّل أنك هنا، في هذا الشارع، في هذه الساعة، بهذه المِشية، وأنّ التسجيل لا يحتاج أحداً بعينه ليقوم به. التسجيل مبنيٌّ في الشارع نفسه.
لم تكن تحمل هذا دائماً؛ أنت واثقٌ من ذلك. كان ثمّة زمن، طفولةٌ في مكانٍ ما قبل أن يبدأ ما يُحسَب حياةً جادّة أن يُحسَب، حين كنتَ تمشي فكان المشي هو المشي، وكان الشارع هو الشارع. أمّا الآن فالشارع مجالٌ أيضاً، وللمجال ثِقَل، وأنت تحمله منذ حين.
تقف عند الناصية لأنّ الضوء أحمر؛ تقف وتنتظر. وبينما تنتظر، تجد نفسك، من دون أن تقصد تقريباً، ترفع بصرك.
المباني في الجهة المقابلة من التقاطع عاكسةٌ في هذه الساعة. يلتقط ضوءُ الصباح زجاجها، فيردُّ الزجاج شظايا من مدنٍ رأيتها من قبل: الرياض في شظيّة، ودبي في أخرى، والعاصمة الأوروبيّة التي زرتها قبل صيفين لعُرسٍ نَدِمتَ بعض الشيء على حضوره. وليست أيٌّ من هذه المدن هي هذه المدينة. بُنيت المباني هنا لتشبه مبانيَ من أيِّ مكانٍ إلّا هنا، وصفةُ «أيِّ مكان» هي ما يلتقط ضوء الصباح.
تفكّر: منذ زمنٍ طويل وأنا أمشي في أماكنَ مستعارة.
تأتي الفكرة صافيةً، كما تأتي الفكرة حين تكون قد انتظرت طويلاً مجيئها. لا تُلاحقها. يتغيّر الضوء. تعبُر.
في الجهة الأخرى من التقاطع واجهةٌ قديمة، خرسانةٌ أبلاها غبارُ ستّين عاماً، لم تُستبدَل ولم يُعَد كساؤها. تُحبُّ هذه الواجهة؛ أحببتها، من دون أن تُقِرَّ لنفسك بأنك تحبّها، منذ حين. الخرسانة بلونِ نفسها؛ لا تتظاهر بأنها زجاجٌ أوروبيّ أو فولاذٌ أمريكيّ. هي ما هي عليه: خرسانة، ظلّت بلونِ نفسها أطولَ ممّا ظلّت هذه البلاد بلاداً.
تمرُّ بالواجهة. تواصل نحو المكتب.
ما تحمله الآن، وما لم تكن تحمله حين خرجتَ من الباب، هو إدراكُ أنّ الضجيج حقيقيّ؛ أنّ المجال الذي تمشي فيه حقيقيّ؛ أنّ الطريقة التي صاغت بها المراقبةُ كتفيك، من غير أن يراقبك أحد، حقيقيّة. ليس شيءٌ من هذا وَهماً، وليس شيءٌ منه ما يُصلَح.
هي ببساطة ما كان عليه العيشُ داخل هذه النسخة من المدينة.
لا تفعل هذا الصباح شيئاً حيال الإدراك. تُمسك الباب لغريب، كما تُمسك الباب دائماً للغرباء. تُحيّي الرجل عند الاستقبال باسمه لأنك تعرف اسمه. تركب المصعد.
لكن في مكانٍ ما تحت السطح، يكون الإدراك قد استقرّ.
إنه صغير، في حجم ومضة. لن يبقى عالياً طوال اليوم. عند الظهيرة سيكون قد خفَت إلى ذلك النوع من الأشياء التي لا تسمّيها، وفي المساء سيكون من النوع الذي تظنّ أنك تخيّلته.
لكنّ الإدراك لا يحتاج أن يبقى عالياً؛ لقد استقرّ.
في الصباح التالي، حين تخرج من الباب في الثامنة وستِّ دقائق، ستمشي على نحوٍ مختلفٍ قليلاً. لن تنتبه إلى الفارق الطفيف، لكنّ الشارع سينتبه، والبائعة ربّما، وضوءُ الصباح على المباني في الجهة المقابلة من التقاطع سيلتقط الفارق الطفيف ويردُّه إليك شظايا.
لن تسمّي ما الذي تغيّر.
لكنّ الضجيج سيكون قد بدأ، في خفوتٍ شديد، يتشكّل خلفك.